رئيس مجلس الأدارة
عبدالمجيد سعيد
المشرف العام
العميد سعيد جابر

رغم صغر سنها، فإن تجاعيد الزمن اصابت وجهها وأصابتها الشبيخوخة المبكرة وأصاب جسدها الهزال فهى لا تستطيع الوقوف طويلا. فى محكمة الأسرة بإمبابة المكتظة بالزحام الشديد والرائحة التى تنبعث من رواد المحكمة التى تزكم الأنوف. وقفت تزوغ عينها على شبر فارغ تقف فيه أو مكان تجلس فيه شغل. وبحكم عملى وترددى المتكرر على المحكمة استشعرت حاجتها. اقتربت منها وسألتها عم تبحثين سيدتى. صحت من شرودها. قالت لا شىء لا شىء. قلت لها تفضلى معى واتبعتنى دون تردد وأخذتها الى طرقة بعيدة لا يرتادها المتقاضون واحضرت لها كرسياً متهالكاً وطلبت منها الجلوس لحين بدء نظر دعواها. وكأنها لقيت ضالتها. جلست منهكة تجفف عرقها الذى تصبب على جبينها. وأحضرت لها كوباً من الماء. وطلبت منها أن تحكى قضيتها فهذا عملى. ربما استطيع مساعدتها. نظرت إلى نظرة طويلة. قالت وماذا يفيد حديثى. اننى ماساة تمشى على الارض. لا ابالغ اذا قلت لك اننى اتمنى الموت الخلاص من عذابات هذه الحياة التى تلازمنى منذ ولادتى وحتى اليوم

فى طفولتى كنت طفلة سعيدة مدلله فانا الابنة الوحيدة لابى وامى. ولكن فى يوم صحوت من نومى على صراخ يملأ جنبات بيتنا الصغير. مات ابى. مات. لا ادرى كيف مرت الأيام بعدها ولكن تحولت حياتى إلى التعاسة والالم. لم يعد فيها ما يسعدنى او يؤنس وحدتى. امى كانت صغيرة فى السن. وقررت عدم التضحية بشبابها والبحث عن زوج جديد لها. لم تفكر فى ابنتها. فكرت فى سعادتها المزعومة وفقط.ووقع اختيارها على بلطجى عاطل عن العمل للزواج منه. كنت أيامها أخطو الى الصف الاول الثانوى وأحلم اننى سوف أحقق حلم والدى المرحوم واصبح طبيبة كما كان يحلم. كنت متفوقة فى دراستى. ولكن الحلم انتهى على يد زوج امى. وطلب منها اخراجى من المدرسة والبحث عمل

لتنفق علينا. ولم تكذب امى خبرا. فهى لا تستطيع ان تعصى اوامره مهما كانت. وابلغتنى الامر ولا اريد مناقشة بكيت كثيرا واستعطفتها أكثر ولكن. صدر فرمان زوج امى بتدمير مستقبلى. تركت تعليمى. وبحثت عن عمل تنفيداً لأوامر زوج امى الامر الناهى فى حياتنا. ووجدت عمل بياعة فى محل ملابس. تعاطف معى صاحبة وتأثر كثيرا بحكايتى الحزينة وصفر سنى. وكنت احصل على مبلغ مالى. وكنت فى بداية كل شهر اسلمه لزوج امى كما اخذته بناء على تعليمات امى. وإلا سيقوم زوجها بطردى من المنزل ويكون الشارع مصيرى.

استمر الحال هكذا أعمل طوال اليوم كى انفق على مزاج زوج امى الذى يدمن المخدرات وامى تساعده على ذلك. اعطيه كل ما احصل عليه من العمل. أو يطردنى الى الضياع وكانت امى خير معين له على تدميرى وفى صباح يوم حزين جديد فى حياتى. وجدت امى تقول لى لا تتاخرى فى العمل. جايلك عربس. حاولت الاعتراض او الرفض وجاء صوت زوجها من داخل وكره. يشتمنى بأقذع الألفاظ واننى سيئة السمعة وأبغى ان أمشى على حل شعرى كما قال.

عدت من عملى لاجد رجلا تجاوز عمره الأربعين ويبدو عليه الثراء لما يرتديه من مشغولات ذهبية يتفاخر بها. كم كان شكله مقززاً. وجاء صوت زوج أمى المنفر. دا عريسك. وكالعادة ليس من حقى الاعتراض او المناقشة. اتفقوا على كل شىء. كل دورى هو ان انال اعجاب العريس. وقد كان. وكانت المفاجأة المدوية ان الرجل متزوج ولديه أربعة من الابناء واننى سأقيم معهم فى نفس المتزل. وان ثمن

الزواج. هو الانفاق على امى وزوجها.وانا السلعة التى سلمها لهذا الرجل ذقت فى بيته كل انواع العذاب بلا مبالغة. ضرب وسب وإهانة فأنا الجارية التى بيعت له كى يفعل بها ما يشاء.وكانت الطامة الكبرى..زوجى تاجر مخدرات. وطلب منى مساعدته فى توزيع السموم على زبائن المحل الذى اعمل به. رفضت طلبه وبكل إصرار وكيف افعل ذلك فى الرجل الذى اشعرنى بإحساس الابوة الذى افتقدته والامان الذى لم اشعر سوى معه. صاحب المحل. وامام إصرارى على الرفض. كدت ان اموت بين يدى زوجى. وأفقدنى جنينى. الذى كنت احلم به ان يكون العوض والسند لى مهما كان من والده. ولكن حرمت منه ايضا. واستمرت معى الحياة فى قسوتها. واخذت امى موقف زوجها الذى هو سبب كل ساعة وموقف زوجى واصروا على ان اتحول الى موزع مخدرات والا سيقطع زوجى المصروف عن امى وزوجها العاطل والتوقف عن سداد ديونهما. كم تمنيت ان يصحو قلب امى. ان تحس بعذابى. لم تواسينى فى فقد جنينى. لم تفكر لحظة اننى من الممكن ان يكون مصيرى السجن بل الاعدام. لم تفكر بى امى. فكرت فى زواجها وزوجها البلطجى. وزاد عليهم زوجى واخذت القرار الذى سينهى سنوات عذابى والذى تاخر كثيرا خوفا من الشارع ان يكون مصيرى. لملمت اشياىء البسيطة واقنتعت زوجى إننى ذاهبة الى عملى وسافكر فى الامر. حتى يسمح لى بالخروج من المنزل. وتوجهت الى صاحب العمل وطلبت منه المساعدة. ورحب الرجل الطيب واخذنى الى مكان آمن. وانقطعت عن الذهاب الى العمل حتى لا يعثر على زوجى او امى او زوجها. وها انا هنا الان جئت لأنال حريتى. لأفك قيودى. لأخرج عن الطوق. جئت لأنهى سنوات العذاب. ولا يهم ان يكون الشارع مصيرى أو لا. فلن امكنهم من جعلى تاجرة سموم ربما يكون الشارع ارحم من حضن امى. نزلت دموعها بغزارة. ناولتها منديلا لتجففها. واخذت عبير الى قاعة المحكمة حيث بدات نظر دعواها بطلب الطلاق طلقة بائنة للضرر. بعد قدمت اوراقها وما يدل على تعذيب زوجها لها واجهاضها

ولم تقبل محاولات الصلح من مكتب التسوية. وطلبت سرعة السير فى الدعوى التى رجعة فيها. ولا مساومة ولا خوف. انتهت الجلسة بالتاجيل. وتركت عبير واختفت وسط الزحام ولكن ما زالت نبرات صوتها الحزين تسكن أذنىّ!!!!

 



By ahram